الشيخ محمد هادي معرفة

524

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

ولنا أن نتساءل : هل كانت « فارس » على درجة من التحضّر والتقدّم بما يوفّر الخبرة الهندسيّة لتشييد السدود والأعمال العمرانيّة الضخمة ؟ لفارس ، حضارتها الخاصّة بها بلا شكّ . ولكن مصر الفرعونيّة - بشهادة التاريخ - قدّمت لها أعظم مدرسة في التشييد والبناء والصناعة . لقد قدّمت مصر - وكانت على اتّصال وثيق ببلاد الشرق الأدنى منذ 4000 سنة - للحضارة الفارسيّة العلوم الرياضيّة والهندسيّة والطبّ والفلك وتعبيد الطرق والكتابة والتقويم والساعات والورق وفنّ المكتبات وحفظ الوثائق ، والأثاث الدقيق والمصقول ، وفنّ التلوين . ولم تقتبس فارس من حضارة مصر فقط ، وإنّما نقلت أيضا - زمن الهخامنشيّين - من بابل كثيرا من العلوم والفنون والصناعات . وهكذا من اليونان استخدموا مهندسين كبارا لفنّ النحت وبناء القصور الشامخات والأعمدة الرفيعة والأقواس من الرخام والأحجار الثمينة . « 1 » ولا ننكر أنّهم - أي الفُرس - أضافوا إلى ما أخذوه وخلّفوا لنا حضارة راقية ، هي مزيج من حضارات العالم القديم مصر - بابل - يونان . وإجابة على السؤال ، يمكن القول : إنّ الفُرس - في عصر الهخامنشيين - امتازوا بمهارتهم في فنّ العمارة والبناء . يشهد بذلك كلّ ما اكتشفه علماء الآثار هناك من أبنية تدلّ على عظمة التصميم الهندسي ، ودقّة اختيار الموادّ الخام ، وتطويعها للغرض الإنشائي المنشود . فقد أخذ البنّاؤون الفُرس يتعلّمون فنّ المعمار من الشعوب التي خضعت لهم ( سومر - آشور - كلدان - يونان ) وسرعان ما استوعبوا أسراره . ومن ينظر إلى مقبرة وقصور كورش ، ودارا الأوّل ، وخِشَيارْشا الأوّل ، يدرك عمق تأثّر المعمار الفارسي بما يحيط به من أنماط في مصر ويونان وبابل وميديا وليديا . . . وندرك نحن ذلك إذا فحصنا جيّدا ما شيّده كورش في « پاسارگاد » « 2 » رغم تهدّمها . فالواقع أنّها صور من الروعة

--> ( 1 ) - تاريخ إيران ، ص 125 . ( 2 ) - جاء تعريبه : « بازارجاد » ، هي مدينة صخمة بقيت آثارها الفخيمة في مشهد مرغاب ، عاصمة الهخامنشيين القديمة . واقعة على بعد 18 فرسخا في الشمال الشرقي من شيراز . وبها مقبرة كورش الكبير قائمة إلى اليوم وفيها عثر على تمثال كورش الحجري الشهير .